محمد بن محمد ابو شهبة
139
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
أو أحد عشر يوما فبسبب هذا النقصان تدور السنة الهلالية فيقع الصوم والحج تارة في الشتاء ، وتارة في الصيف ، وتارة في الربيع ، وتارة في الخريف . وهذا من رحمة اللّه بعباده في التشريع ، حتى تنزاح المشقة ، ويذهب السأم والملل بأداء العبادات في وقت لا يتغير ، وليتدرب المتعبد على أداء العبادات في جميع فصول العام ، وكذلك شاء اللّه أن يكون اعتبار الشهور بسير القمر ، وظهوره ، لأن ذلك لا يحتاج إلى حساب ولا كتاب ، بل هو أمر مشاهد بالبصر ، فيستوي في معرفته الجاهل والمتعلم ، والبدوي والحضري . وقد جعل اللّه من هذه الشهور أربعة حرما ، وإنما سميت حرما لتحريم اللّه القتال فيها ، وتعظيم العرب لها ، حتى لو أن الواحد منهم يلقى قاتل أبيه ، أو أخيه في هذه الأشهر فلا يعرض له بسوء ، فلما جاء الإسلام لم يزدها إلا حرمة وتعظيما . وهذه الأشهر هي : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب الفرد ، ويقال له : رجب مضر « 1 » . ومنهم من يقول : المحرم ، ورجب ، وذو القعدة ، وذو الحجة . والأول هو الأولى وهو الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة التي رواها الشيخان . وقد كان تعظيم الأشهر الحرم من بقايا شريعة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام - وقد جاءت الأشهر الحرم على هذا الوضع لأجل تأمين حجاج البيت وزوّاره ، فحرّم اللّه قبل شهر الحج شهرا ليسيروا إلى هذه البقاع ، وهو شهر ذي القعدة « 2 » ، وحرّم ذا الحجة لأنهم يوقعون فيه مناسك الحج ، وحرّم بعده شهرا وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم . وحرّم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت ، وأداء العمرة .
--> ( 1 ) وذلك لأن مضر كانت تعظمه أكثر من غيرها ، وقيل لأن ربيعة بن نزار كانوا يعظمون رمضان ويسمونه رجبا ، فأضيف رجب إلى مضر تمييزا له عن غيره . ( 2 ) وسمي ذا القعدة لقعودهم فيه عن القتال .